ابن عربي

512

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

العمل لغير عبادة لا يقبل على كل حال من حيث القاصد لوقوعه الذي هو النفس المكلفة ، لكن من حيث أن العمل صدر من الجوارح أو جارحة مخصوصة ، فإنها تجزى به تلك الجارحة ، فيقبل العمل لمن ظهر منه ، ولا يعود منه على النفس الآمرة به للجوارح شيء ، إذا كان العمل خيرا بالصورة كصلاة المرائي والمنافق وجميع ما ظهر على جوارحه من أفعال الخير الذي لم تقصد به النفس عبادة . وأما أعمال الشرّ المنهي عنها فإن النفس تجزى بها للقصد ، والجوارح لا تجزى بها لأنه ليس في قوتها الامتناع عما تريد النفوس بها من الحركات ، فإنها مجبورة على السمع والطاعة لها ، فإن جارت النفس فعليها وللجوارح رفع الحرج ، بل لهم الخير الأتمّ ، وإن عدلت النفوس فلها وللجوارح ، فإن النفوس ولاة الحق على هذه الجوارح . والجوارح مأمورة مجبورة غير مختارة فيما تصرف فيه ، فهي مطيعة بكل وجه ، والنفوس ليست كذلك ، فهي التي تذوق العذاب ، ومن النفوس من لم يقم بما قصد له فكان عاصيا مخالفا أمر اللّه حين أمره بالأعمال والعبادة . فالطائع يقع منه العبادة في حالة الاضطرار والاختيار ، وإن لم يكن مطيعا من حيث الأمر بالعمل . فإن كان مطيعا طائعا ، فقد فاز بوقوع ما قصد له ، وأما العاصي فلا تقع منه العبادة إلا في حالة الاضطرار لا في حال الاختيار ، ويقع منه صورة العمل لا العمل المشروع له ، فهو مخالف أمر اللّه ، فلم يقم بما قصد له ، واعلم أن جسد الإنسان من حيث طبيعته لا من حيث لطيفته بما هي مدبرة لهذا الجسم ومتولدة عنه طائع للّه مشفق ، وما من جارحة منه إذا أرسلها العبد جبرا في مخالفة أمر إلهي إلا وهي تناديه : لا تفعل ، لا ترسلني فيما حرم عليك إرسالي ، إني شاهدة عليك ، لا تتبع شهوتك ، وتبرأ إلى اللّه من فعله بها ، وكل قوة وجارحة فيه بهذه المثابة ، وهم مجبورون تحت قهر النفس المدبرة لهم وتسخيرها ، فينجيهم اللّه تعالى دونه من عذاب يوم أليم ، إذا آخذه اللّه يوم القيامة ، وجعله في النار . فأما المؤمنون الذين يخرجون إلى الجنة بعد هذا فيميتهم اللّه فيها إماتة كرامة للجوارح ، حيث كانت مجبورة فيما قادها إلى فعله ، فلا تحسّ بالألم ، وتعذب النفس وحدها في تلك الموتة ، كما يعذب النائم فيما يراه في نومه ، وجسده في سريره وفرشه على أحسن الحالات . وأما أهل النار الذين قيل فيهم : لا يموتون فيها ، ولا يحيون ، فإن جوارحهم أيضا بهذه المثابة ؛ ألا تراها تشهد عليهم يوم القيامة ؟ فأنفسهم لا تموت في النار لتذوق العذاب ، وأجسامهم لا تحيا في النار حتى لا تذوق العذاب ، فعذابهم نفسي في صورة حسية من تبديل الجلود ، وما وصف اللّه من